
(١)
اعتصم خبراء وزارة العدل أمام الوزارة، وعلى سلالمها الخارجية، مدة ٥٩ يوماً متواصلة، أملاً فى أن يجدوا أذناً سامعة تصغى لمطالبهم، أو عقلاً راجحاً يتداول الرأى معهم لحل أزمتهم، أو قاضياً عادلاً فى وزارة العدل، يقضى بقول فصل، يحق الحق لا غيره، فى قضيتهم.
ولكن شيئاً من ذلك لم يكن!!
وعندما ضاقت السبل بعقلاء الدولة ونظام الحكم أمام الاستمساك المستمر من الخبراء المعتصمين بحقوقهم، وأمام التأييد المتزايد لمطالبهم فى الأوساط القضائية والثقافية والقانونية، تحرك - عندئذ - الدكتور فتحى سرور، أحد الرؤساء الثلاثة «بالتعبير اللبنانى!»، ليحاول احتواء الأزمة.
واستجاب الخبراء لدعوته ثقة فى شخصه الكريم، كما قالوا فى بيانهم الصادر بتاريخ ٢/٩/٢٠٠٩، وقرروا تعليق اعتصامهم مؤقتاً مع تعليق العمل بالكتابين الدوريين رقمى ٨ و٩ لسنة ٢٠٠٩، وهما الكتابان اللذان سببا الأزمة وأشعلا فتيلها.
(٢)
وكلف الدكتور أحمد فتحى سرور لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية فى مجلس الشعب، بعقد جلسة استماع لبحث أزمة خبراء وزارة العدل، ودعا وزير العدل للحضور - أو من ينيبه - فى تلك الجلسة، فلم يحضر أحد، لا معالى الوزير الجليل، ولا أحد من مساعديه، وكان هذا الغياب المتعمد دليلاً جديداً على الكيفية التى تتعامل بها السلطة التنفيذية مع السلطة التشريعية، ورسالة تبعث بها السلطة التنفيذية إلى الجميع: إنها ووزراءها وجميع أتباعها فوق كل سلطة أخرى فى هذا الوطن، فكما أن أحكام القضاء لا تنفذ إلا إذا شاءت السلطة التنفيذية ذلك، فإن طلبات الحضور إلى مجلس الشعب، التى يساندها الدستور والقانون واللائحة الداخلية للمجلس نفسه، لا تلقى إليها السلطة التنفيذية بالاً ولا تكترث بها.
لقد حضر جلسة اللجنة التى انعقدت يوم ٩/٩/٢٠٠٩ نحو مائة عضو، أو يزيدون، من أعضاء المجلس الموقر وأعضاء اللجنة الأصليين عددهم أقل من ذلك بكثير، لكن اهتمام أعضاء مجلس الشعب بقضية الخبراء وإدراكهم للآثار المدمرة التى يمكن أن تترتب على استمرار الأزمة، وحرصهم على مساعدة المستشار الجليل وزير العدل لإيجاد مخرج من الباب الذى أغلقه على نفسه وعلى وزارته، كل ذلك دفعهم إلى تطبيق نص المادة «٥٩» من اللائحة الداخلية للمجلس الذى يجيز لأى عضو أن يحضر اجتماعات أى لجنة.
وقد شاهد هؤلاء الأعضاء جميعاً وشاهد رئيس قطاع خبراء وزارة العدل المهندس الزراعى حسين زكى، ورئيس نادى الخبراء المهندس الزراعى محمد ضاهر - اللذان حضر الاجتماع ممثلين للخبراء - شاهدوا جميعاً مدى الاحترام والتقدير اللذين تتعامل بهما السلطة التنفيذية مع السلطة التشريعية، فأهم لجان مجلس الشعب تنعقد برئاسة رئيس المجلس، ويحضرها نحو مائة عضو من أعضائه، والدعوة موجهة سلفاً من رئيس السلطة التشريعية للحضور، وهى موجهة إلى شخص وزير العدل المستشار الجليل الذى يعرف الدستور والقانون معرفة تكاد تكون تامة، ومع ذلك فإن المستشار الجليل كأنه لم تبلغه الدعوة، ولا يجامل رئيس مجلس الشعب مجاملة شكلية بإرسال أحد مساعديه - وهم كثر - لمجرد الحضور، وهو حضور لا يقدم ولا يؤخر لأن أياً من المساعدين الأجلاء لم يكن لينقض أمراً أبرمه الوزير ولا ليبرم أمراً سبق له أن نقضه!
(٣)
ورئيس مجلس الشعب مشهور بين عارفيه بالحكمة، ومجرب منذ زمن طويل فى القدرة على ضبط النفس، وهو سباق دائما إلى ما يحقق مصالح الاستقرار والاستمرار السياسى بلا مشاكل ولا معضلات، وهذا يقتضيه أن يزن كلماته التى يقولها علانية، وأن يتوخى الحذر فيما يمكن أن يسمعه الإعلام أو يذيعه أو ينشره، لكنه لم يتمكن من ممارسة شىء من ذلك بعد الموقف المثير للعجب، الباعث على الشعور بعدم الاهتمام، أو كما سماه الدكتور سرور بنفسه: عدم الاحترام، الذى وضعه فيه المستشار الجليل وزير العدل.
فكانت تصريحات رئيس مجلس الشعب التى نشرتها الصحف تتضمن أن: وزير العدل خادم للعدالة وليس رئيساً لها.
وأن: الحكومة فرطت فى حقها؛
وأن: الوزير أخطأ فى تطبيق القانون؛
وأن: الذى يحترم البرلمان يحترم نفسه؛
وأن: القرار الوزارى يخالف المرسوم بقانون الذى ينظم عمل الخبراء؛
وأن: الوزير تجاهل اعتصام الخبراء لمدة ٥٨ يومًا (صحتها ٥٩) وكان يجب عليه سماع مشكلاتهم؛
وأن: على الحكومة أن تعلم أن للبرلمان سلطة الرقابة عليها وفقًا لأحكام الدستور، ولا محل لوجودنا أصلاً إذا لم نطبق الدستور؛
وأن: اعتصام الخبراء كان وسيلة للتعبير عن مطالبهم؛
وأن: رئيس مجلس الشعب أرسل مذكرة للوزير حول مطالب الخبراء، وعددًا من أعضاء مجلس الشعب قدموا أسئلة للوزير.. لكنه تجاهل ذلك كله(!!)
وقد مرت خمسة أيام كاملة على هذه التصريحات المضرية الغاضبة الصادرة من رئيس السلطة التشريعية دون أن يعتنى بالرد عليها- ولو من باب المجاملة- أحد من رجال السلطة التنفيذية أو نسائها، هذا مع أن لرئيس الوزراء، ولكل وزير، متحدثًا رسميًا باسمه أو باسم وزارته، وهم يستطيعون التعبير عن احترام سلطة التنفيذ لسلطة التشريع دون أن ينطق الوزراء أنفسهم، أو يكلفوا رئيسهم عناء النطق، وليس هذا الصمت إلا دليلاً على مدى الاحترام الذى تحظى به أى سلطة فى البلاد من السلطة التنفيذية.
(٤)
والواقع أن الذى سردتُه كله يمكن اعتباره من آثار قضية الخبراء، أو من توابع أزمتهم مع وزارة العدل، لكن حقائق هذه القضية الأزمة تبقى، فى ذاتها، محتاجة إلى البيان.
وأولى هذه الحقائق أن يعرف الرأى العام من هو الخبير وما دوره فى تحقيق العدالة.
الخبير هو شخص متخصص فى مسألة أو مجموعة من المسائل الفنية/ العلمية التى لا يمكن أن يدخل فى مقدور القاضى العلم بها علمًا كافيًا يمكنه من تصور حقيقة الواقع والحكم فيه. ومهمة الخبير هى تقديم العون الفنى العلمى فى المسائل التى استقر القضاء على وصفها بأنها «المسائل الفنية البحتة التى تقصر عنها معارف القاضى العامة»، (د. محمود جمال الدين زكى، الخبرة فى المواد المدنية والتجارية، جامعة القاهرة ١٩٩٠ ص ٢١). والخبرة هى المشورة الفنية التى يستعين بها القاضى فى مجال الإثبات لمساعدته فى تقدير المسائل الفنية التى يحتاج تقديرها إلى معرفة ودراية لا تتوافران له. (د. آمال عثمان، الخبرة فى المسائل الجنائية، ص١٣).
وكل مسألة تحتاج إلى علم تخصصى أو معرفة لا تتوافر لدى القاضى يجب عليه الاستعانة فيها بالخبير المتخصص الذى يعينه بإبداء الرأى الفنى ليمكنه من شق طريقه فى الدعوى وصولاً إلى وجه الحق فيها، ولذلك وصف المستشار أحمد مكى، نائب رئيس محكمة النقض الخبير بأنه «قاضى الدعوى الفنى»، ووصف المستشار سعد النزهى، نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية الخبراء بأنهم «قضاة الميدان… وهم عيون قضاة المنصة التى يبصرون بها الحقيقة الواقعية بين غيوم تصويرات الخصوم النظرية»، ووصف الدكتور سينوت حليم دوس، عضو مجلس الشورى الخبير بأنه «قاض فى معطف أبيض».
وقال الدكتور نصار عبدالله إنه: «إذا كان القضاء العادى يوصف بأنه القضاء الجالس، فى حين توصف المحاماة بأنها القضاء الواقف، فإن مهنة الخبير ما هى فى حقيقة الأمر إلا القضاء السيار المتحرك الذى كثيرًا ما ينتقل إلى موقع الدعوى على الطبيعة متحملاً فى ذلك من المشاق ومتعرضًا من المخاطر لما لا يتعرض له القضاء الجالس.. (وتلك) هى نقطة البدء الحقيقية التى ينبغى أن نبدأ منها إن كنا نريد إصلاحًا حقيقيًا بعيد المدى لمؤسسة العدالة»، وقد قيلت هذه العبارات كلها بمناسبة الأزمة الحالية للخبراء مع وزارة العدل.
وقد قيل قبل أكثر من نصف قرن إن «الخبير بمعنى العالِم، وهو شخص له مران واسع، ومعرفة ودراية فنية كبيرة فى علم أو فن أو صنعة من الصنائع أو عمل من الأعمال، وتلجأ الجهات القضائية والإدارية والأهلية إليهم لإبداء آرائهم فى المسائل الفنية التى يصعب عليها استقصاء كنهها، فالخبير إذن مساعد للقضاء ومعين له على كشف الحقيقة وإنارة الدعوى» (توفيق أبوعلم ومحمد أنور عبدالمعطى، المحاسبة أمام القضاء، ١٩٥٣ ص٢٢).
وفى المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون الخبرة، الذى صدر بالمرسوم بقانون رقم ٩٦ لسنة ١٩٥٢، أن: «الخبير هو عون القاضى يبسط له الرأى ويضع تحت تصرفه معارفه وتجاربه.. ولهذا كان لزامًا على المشرع أن يضفى على مهمة الخبير من الأسباب ما يصونها ويعززها ويمكن لها من أمرها».
فإذا وقفنا على تعريف الخبير ومهمته، فإن أمثلة محدودة مما يكلف به الخبراء تبين خطورة العمل الذى يقوم به الخبير فى معرفة وجه الحق فى النزاع المعروض على القضاء، يندب الخبير لإيضاح الظروف الفنية البحتة للحوادث، أو لتعيين سبب العطل أو العطب فى آلة أو معدة أو مركبة خاصة أو وسيلة نقل عام أو خاص، ويندب لتصفية حسابات الشركات لأسباب شتى، ولتحديد نسبة العجز الدائم أو المؤقت الذى يصيب عاملاً فيمنعه عن العمل كليًا أو جزئيًا، أو لتطبيق سندات الملكية على عقار متنازع عليه، أو تعيين صنف بضاعة مختلف بشأنها، أو كشف حقيقة منقول أثرى، أو تحديد قيمة الضريبة المستحقة على تصرف ما، أو تحقيق الخط ونسبته إلى صاحبه، وتحد
المزيد